ساسي سالم الحاج

88

نقد الخطاب الاستشراقي

ونستطيع تلخيص هدف حلف الفضول وغايته في أنه أريد به إنصاف المظلومين من أهل مكة ، من الضعفاء والمساكين ومن لا يجد له عونا ليحميه ويدافع عن حقوقه ، وكذلك إنصاف الغرباء والوافدين على مكة من التجار والحجاج وعابري السبيل ، لحمايتهم ممّن يعتدي عليهم ، أو يستولي على أموالهم ، أو يلتوي بحقوقهم ، خاصة أن الإخباريين يروون أن رجلا من اليمن ، باع سلعة له ل « العاص بن وائل السهمي » فمطله ثمنها حتى يئس ، فعلا جبل أبي قبيس ، ونادى رافعا صوته يشكو ظلامته ، ويطلب إنصافه ، فمشت قريش إلى بعضها بعضا ، واجتمعت في دار الندوة ، وكان ممن اجتمعوا بها بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وزهرة ، وتيم ، وبنو الحارث ، وذهبوا إلى دار عبد اللّه بن جدعان وتحالفوا هناك على المبادئ التي أتينا على سردها « 1 » . وقيلت روايات أخرى عن حلف الفضول غير التي ذكرناها وإن كانت جميعها تؤدي إلى نفس الغاية التي أشرنا إليها . وهكذا نستنتج من أهداف هذا الحلف ومن طبيعة الناس الذين عقدوه أنه قد وجّه ضد الظلم والاعتداء على الغرباء وضد المماطلين والمسوّفين الذين لا يؤدون ديونهم المستحقة عليهم لمصلحة الغرباء والضعفاء . كما أن من تعاقدوا على إبرامه وحافظوا على تنفيذ مبادئه تلك القبائل التي وقفت مع الدعوة المحمدية إما اعتقادا في صحة رسالته أو معاضدة له بصرف النظر عن العوامل الدينية . تعرّض المستشرقون إلى واقعة سفر الرسول مع عمّه أبي طالب إلى الشام وكيفية لقائه « ببحيرى الراهب » في حدود الشام . ويشكّون جميعا في صحة هذه الواقعة التي يرونها قد اخترعت بأخرة لتعزيز فكرة النبوة . وبالرغم من عرض المصادر الإسلامية قاطبة لهذه الواقعة بجميع تفاصيلها بحيث لم يشذ عنها مصدر واحد ، فإننا - وإن حاربنا أصحابنا على نقص المواد العلمية التي تؤكد أو تنفي حصول مثل هذه الوقائع - نتساءل عن قيمة الروايات التاريخية الأخرى سواء تلك التي تناولت السيرة النبوية أو غيرها ما دامت المصادر الأصلية ليست في متناولنا . فهل نستطيع أن نطرح تلك الروايات برمتها استنادا إلى غموض المصادر والوثائق عنها أو لعدم وجودها مكتوبة أيضا ؟ وإذا فعلنا ذلك فإنا سوف لا نصدق كلّ الروايات التاريخية الخارجة عن نطاق التسجيل المادي لها . ثم إننا نشكك بدورنا في قيمة الوثائق المكتوبة أيضا بحجة

--> ( 1 ) المسعودي ، مروج الذّهب ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 270 وما بعدها .